حين كنتُ

  حين رأت عيناي النور، وتنشَّقت مساماتي رحيق الحياة، حُمِلتُ على أغصان الحنان حين وُلدتُ في النبطية في الثالث عشر من تموز، نعم عندما أشرقت البهجة برعماً في قلوب الأقرباء.

  حين كنت طفلاً، أي في الرابعة من عمري تقريباً، عندها ودّعني والدي وذهب في قطار الزمان ولم يعد، فبقيت أكمل مساري في هذه الحياة، أنير أروقتها المُدلهمَّة، أزرع حبوب الطفوقة لألقاها في شبابي سنابلَ خير، كدْت أحصدها لأذوِّق الحياة طعمها العذب.

  كنت في التاسعة من عمري حين تسهّل أخي إلى بلاد الغربة حاملاً معه طفولته في ومضة عينيه، وذكرياته على راحة كفيَّه، وأهله في خفقات فؤاده، فكان كلّ فترة يُطمْئِننا عن أخباره وأحواله وصحّته، فحسبناه معنا نتواصل معه بإشارات القلوب.

  لا أنسى تلك اللحظة حين كان السكون يعمر بيتنا، فجأة سمعنا الباب يُطرق، فأخذ الإصرار يسرح في حيرتي، وإذ بي آخذ (مسكة) الباب لأفتحها، فرأيت المجد والأمان يسيل من تحت العتبة، وحين فتحت الباب رأيت أخي مدثراً برايات الشوق والحنين، فشعرت بقشعريرة في بدني هزَّت كياني، هرعت وعانقته سائلاً حتى كلَّ متني باستجوابه.

  لو رحل الإنسان من مشارق الأرض إلى مغاربها تبقى الطفولة مخلدة في القلوب، جذابة الأحاسيس، مُرجِّعة الشوق والتحرّق إلى ملقاها.

                                                                              حسن علي الحاج محمد

                                                                             التاسع الأساسي (ب)

HOME