تجربةُ
الموتِ
والحياة
عادتِ الوساوسُ تهمسُ في أذنيَّ، وإذا بها تغرزُ أسنانَها في لحمي. وغرقتُ في بحيراتِ الكوابيس. فراودَتْني تلك الأحاسيسُ الرّهيبةُ، حتى بِتُّ أشمئزُّ من ذاتي وأنظرُ إلى مَنْ يُحيطُ بي مِنَ الذينَ يدعونهم "بشراً" لأرى مخلوقاتٍ مفترسةً همجيّةً تحاولُ أن تعيشَ على بقايا هشيمي. بِتُّ أرى أشباحاً تطاردُني وكائناتٍ تُعيقُ مسيرتي.
لكنْ تلك الرّؤى لم تُفعِمْ ذاتي ولم تُلْهمْنيَ التسويغَ الكاملَ لوجودي. وبالتالي ظلَّ الفراغُ يقضمُني، والوحشةُ تروِّعُني. كنتُ أتخيَّلُ الجميعَ تارةً شبحاً يقهقهُ في وجهي ساخراً، وأراهُ طوراً آخرَ يشمئزُّ مني. لم أعرف غايتي في الوجود. من أينَ جئتُ؟ وما هي حقيقةُ وجودي؟ هل جئتُ من عدمٍ؟ أمْ من زمنٍ؟ لذا، صرْتُ أقتلعُ خصائلَ شعري لأنّ تمزّقي كان ضارياً، وشعوري بالعدمِ والضياعِ وسطَ هذا الزمنِ كان مريراً.
ومعَ الأيّامِ، اشتعلَتِ اليقظةُ فيَّ مِنْ جديدٍ، وتحرّكَتْ أمواجُ الزمنِ في داخلي، والتحَمتِ الرّوابطُ التي تصلْني بالحياة. وإذا بي أولَدُ ولادةً جديدةً بعدَ عسرِ المخاضِ، فتراءى ليَ الوجودُ عارياً، وكشفتِ الحقيقةُ أمامي: "الثأرُ". قرّرتُ الثأرَ لأُريَ هذه الأشباحَ مَنْ أنا. لأُرِيَ الجميعَ قدرتي وشخصيّتي. ولكن! أنّى ليَ الثأرُ والكائنانِ البربريّانِ القاطنانِ في داخلي لم يلتحِما في داخلي؟ لم يلتحما، بعدُ، ليغدوا موجةً تنسابُ في محيطِ الإنسانيّةِ الرّحب! فأحدُهما يقولُ لي بأنني عدمٌ، والآخرُ يزوِّدُني بمطرِ التفاؤل. وها تلك الأشباحُ، أشباحُ الماضي، تعودُ. فلاَ شيءَ يُمحى، بل يغيبُ في قيعانٍ مربدةٍ. إنها لطالما سوفَ تمزّقُني وتُغدِقُ عليّ الكوابيس. فذاتي وكينونتي لم تتكوَّنا خارجَ أُطُرِ الزمانِ. فأنا من المظلومينَ، أنا من التّعساءِ، أموتُ مئاتِ المرّاتِ قبلَ لحديَ الحقيقيِّ. أوَليسَ كلٌّ منّا مسيحاً يحمِلُ صليبَهُ فوقَ ظهرِهِ ليَصْلُبَ نفسَه؟!
كفى! فلأكُنْ فجْراً مُلْتهباً يصفعُ الظلامَ، فَلأتمرّدْ على هذا العالمِ الوحشيِّ المسحورِ. كفى بي ضُعفاً واستسلاماً، فإنني قد زحفْتُ كثيراً أمامَ تهاويلِ العواصِف. ولكي أصِلَ إلى هدفي وطموحي، لا بدَّ لي مِنَ السّيرِ على دربِ الآلام. لا بدَّ لي من محاربةِ العواصفِ بروحِ الإيمان. إنّ دربيَ شاقٌّ، ولن أبقى عليه إلاّ حينَ أنتصِرُ على نفسي وعلى ملذات الدنيا. عليَّ أن أسموَ فوقَ الرّواسبِ. عليَّ أنْ أقولَ للجبلِ الصخريِّ الذي يقفُ أمامي كما قال غيري: "تحرّكْ فإنّ طموحي يُذري بكَ، وقد أتحطمْ ولكنني، لن أهزمَ أبداً". عليَّ أن أسيرَ وسط أدغالِ الحياةِ وأسُودِها، أن ألوِّحَ وأدعوَ الجميعَ ليقفوا إلى جانبي، أنْ ألوِّح بولادةِ رمزِ انتصاري ولو على رمادي.
حقاً إنّ كلَّ شيءٍ في الحياةِ معرّضٌ للتغيُّرِ؛ فالبحارُ قد تختفي، والطيورُ قد تفنى، والطبيعةُ قد تتبدُّلُ ببطءٍ، لكنّ طموحي لن يتبدَّل. حقاً إنّ لكلِّ شيءٍ نسبةً وقابليّةً للتبدُّلِ، لكنّ قدرتي ستبقى، لا بل ستكبُرُ. سأكونُ منَ الذين عاشوا ووضعوا أُسُساً جديدةً للانتصار. ستكونُ هناك إرادةُ حركةٍ تبعثُ فيَّ إرادةً منَ الدّاخلِ، وتُكوِّنُ فيَّ ذرّاتِ القوّة.
سأنتقمُ منْ ظالِميِّ، وأُحقِّقُ مطالبي. سأمشي على دروبِ النصرِ الجديدةِ، وفي كياني شعورٌ عجيبٌ، وانتصارٌ يتمخّضُ، ليكونَ ولادةً تنطلقُ منْ أحشاءِ تجربةِ الموتِ والحياةِ، لأبقى أنا، وأُحطّمُ، ولوْ بعدَ زمنٍ، تلك الكوابيسَ، وأسجنُها في أماكنَ لا تعرفُ للخروج منها سبيلاً.
فاطمة توفيق غندور
الثانوي الثاني – أ -