تأوّه الصيف

   ها قد تأوّه الصيف مُتنهداً، ومع كلِّ تنهيدة يهيمن شبح الخريف. وكان الصيف يرتجف كشعلة السّراج أمام الرّيح، فرفع الخريف شراعه وتأهَّب للمسير. قد حاك الخريف من لهو الأيَّام الخوالي شالاً أسود حزيناً. بكى الصيف كبكاء حكيم متجلد مثل غصن مقطوع من الحياة، قد ترك بيته خوفاً من أن يذبل ويموت برويّة. كان الصيف كمريم واقفة أمام الصليب وعشتروت جالسة على العرش.

   ها قد أتى الخريف، وقد وهب الكآبة واليأس في نفوس المخلوقات. كانت الدنيا بالأمس مثل ثنايا الزنبقة البيضاء الفرحة بقبلات الشمس، وقد اصفرّت وتبرقعت بالقنوط. والحيوانات قد تسابقت نحو مسارح الأحلام التي قد أثقل اللهو والتعب أجفانها، وقد داعبت أصابع اليقظة أجفان الخريف السوداء. كان الخريف مثل الساقية التي نراها في الصباح ملمّعة بأغنية الخلود في المساء، وقد شلحَتِ الدنيا ثوبها، وهاجر طير السنونو عُشَّه تاركاً وراءه نثار تعَبهِ، وقد أنهى بذلك رحلة عمر في بلاد قد عمّها الخير واللهو، قطع الخريف أنفاس الصيف، وقد اجتاز الصيفَ كما تجتاز النحلة ُ المستنقعاتِ الخبيثة لتصل إلى البساتين المزهرة.

                                                                                                                                                                                       باسل مرتضى إسماعيل

التاسع الأساسي (ب)

HOME