|
القس فؤاد أنطون هناك محاولاتٌ دؤوبةٌ، في هذه الأثناء، لإحياء الذاكرة القديمة القائمة على دعائم الكلمة سواء كانت مقروءةً أو مسموعة والتي اِتخذت من الكتبِ والمجلاتِ والحكايات موطناً لها، فكانت مهداً للحضارات والإنفتاح وجسراً للعلم والمعرفة والتوسُّع في آفاق هذا العالم. لم يخلُ منزلٌ من مكتبةٍ تزيِّنُ أروقته، ولم يخلُ بلدٌ إلا وتتربَّع المكتبةُ العامَّة في كبرى مُدُنِهِ، وعلى سبيل المثال لا الحصر مكتبة الإسكندريَّة القديمة المعروفة، لأنَّ للكتاب رونقاً خاصًّا وقيمةً لا تُضاهيها قيمةٌ. مع تقدُّم العلوم وسيطرة المعلوماتيَّة وتمكُّنها في جسم حياتنا اليوميَّة أصبح الكتاب ودوره شبهَ نادرَيْنِ مع جيلٍ جديدٍ يضع في سُلَّمِ أولويَّاته ثقافة الصورة كما يُسمِّيها العالم الألماني "ماك لوهان" نظراً لجهلِهِ ولِعدمِ فطنتِهِ بما يتضمَّنه الكتابُ من وفرةٍ علميَّةٍ. والجدير ذكرُه أنَّ القصص المفيدة باتت شبهَ مفقودةٍ في مكتباتنا، واِنصبَّ اِهتمام الناس في أيَّامنا على السياسة وسلوكيَّات التواصل عبر الإنترنت للتعارفِ إلى أصدقاء جُدُد وتوطيد أواصر الصداقة معهم، فابتعد المرءُ عن الكتابِ وهذا إن دلَّ على شيءٍ فإنَّه يدلُّ على التبدُّل الحاصل في سلوكيَّات الفرد ومناهجه الفكريَّة. ما أثار في نفسي فضولاً هو ما سمعتُه في الآونة الأخيرة عن نبأً مفادُهُ فتحُ مكتباتٍ جديدةً للعموم مع ما تقدِّمه من مُغرياتٍ للقرَّاءِ فانتابني تفاؤلٌ بالمستقبل، وقلتُ في نفسي :"هل ما زال الكتابُ يُقدِّمُ مادَّةً دَسِمةً للقارئِ وما يترتَّب عليهِ من قدرةٍ على تهذيبِ النفسِ
عطفاً على ما سَلفَ تأخذني الذاكرةُ إلى الماضي القريبِ لأنوِّهَ بالمكتبةِ التي كانت موجودةً في مدينةِ النبطيَّةِ وما كانت تقدِّمُهُ للأجيالِ من خدمةٍ علميَّةٍ، وذلك من خلال التعرُّفِ على الحضارات القديمة كالفينيقيَّة والبوتانيَّة والمصريَّة، فهل نتذكَّر؟ ولا يسعُنا إلا أن نذكر المكتبات المدرسيَّة التي لا نوليها اِهتماماً كافياً، والكتبُ أضحتْ مُكدَّسةً يعلوها الغبارُ والعَفَنُ . والأخطر في ما تقدَّم أنَّ الكثير من الخرِّيجين في ميادينَ متعدِّدة لم يسمعوا "بجبران خليل جبران" و"ميخائيل نعيمة" و"مارون عبُّود "، ويُعزى السببُ إلى تهميش الكتاب في البيت، وعدم الإهتمام بالمطالعة من قِبل الأهل أنفسهم، بدلاً من أن تكون عادةً يوميَّةً ترافقُ الطفلَ من الطفولة لتصير زاداً يُرافقه طِوالَ عمرِهِ. نعم، مشكلتنا عميقةٌ تكمنُ في تفكير المرءِ في عصرنا هذا، عصر المال والتهافتِ على الخُطبِ السياسيَّة، فلنجعلِ المطالعة مادَّةً أساسيَّةً في مناهجنا المدرسيَّة لنعودَ أدراجنا إلى الأساس المتينِ ، إلى الماضي العريقِ ، إلى تراثنا الغارقِ في الزمنِ، تراثنا الدِّينيِّ والتاريخيِّ قبل أن يفوتنا القطارُ وتموتَ الكلمةُ . لقد أعلِنَتْ بيروتُ عاصمةً للثقافة العربيَّة ، والثقافة ،يا أحبَّتي هي ثقافة الكتابِ، ثقافة الأدباء والشعراء، ثقافة الكلمةِ البنَّاءةِ وليس ثقافة الهرْجِ والمرجِ ِ كما هو شائعٌ اليومَ في أوساطنا، ولنُعطي الكتابَ حقَّهُ، ولنُشجِّعْ على اِقتنائهِ وتحويلِهِ إلى صديقٍ صدوقٍ في حياتنا مع إيلاءِ "الكمبيوتر" حقَّه مع التركيز على كيفيَّة وأصولِ اِستخدامِهِ لتحصيل المعرفة وأخيراً وليس آخراً أستشهدُ بقولٍ للفيلــسوف اليوناني "سقراط" عندما سُئِلَ: كيف تحـــكمُ على إنسانٍ؟ أجابَ :"أسألهُ كم كتاباً تقرأ وماذا تقرأ؟ ".
القس فؤاد أنطون راعي الكنائس الإنجيليَّة المشيخيَّة في مرجعيون |