كلمة رئيس المدرسة لعدد المصباح 2008-2009

 

الثقة والطاعة

Trust & Obey

 

"وحَدَثَ بعد هذه الأمور أنّ الله امتحن إبراهيم. فقال له يا إبراهيم. فقال هأنذا. فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق واذهب إلى أرض المُرِيَّا وأصعده هناك مُحرَقة على أحد الجبال الذي أقول لك. فبكّر إبراهيم صباحًا وشدَّ على حِماره وأخذ اثنين من غِلمانه معهُ وإسحق ابنه وشقّق حطبًا لمُحرَقةٍ وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله. وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد. فقال إبراهيم لغلاميه اجلسا أنتما ههنا مع الحمار. وأمّا أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما. فأخذ إبراهيم حطب المُحرَقة ووضعه على إسحق ابنه وأخذ بيده النّار والسكين. فذهبا كلاهما معًا. وكلّم إسحق إبراهيم أباه وقال يا أبي. فقال هأنذا يا ابني. فقال هوذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمُحرَقة. فقال إبراهيم الله يرى له الخروف للمُحرَقة يا ابني. فذهبا كلاهما معًا.

فلمّا أتيا إلى الموضع الذي قال له الله بنى هناك إبراهيم المذبح ورتّب الحطب وربط إسحق ابنه ووضعه على المذبح فوْقَ الحطب. ثمَّ مدَّ إبراهيم يَدَهُ وأخذ السِكين ليذبح ابنه. فناداه ملاك الربِّ من السماء وقال إبراهيم إبراهيم. فقال هأنذا. فقال لا تمُدَّ يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئًا. لأني الآن علمت أنّك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عنّي. فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبشٌ وراءه ممسكًا في الغابة بقرنيه. فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده مُحرَقةً عِوضَا عن ابنه."  تكوين 22: 1-13

 

   أيُّها الأحبّة؛

   حين تكون ثقتنا عمياء، وطاعتنا مطلقة؛ ينبغي أن يكونَ الموثوقُ به، والمُطاع، متنزِّهاً عن كلِّ خطأ، أو شائبة، أو نقص؛ يعني أن يكونَ مُتنزَّهاً عن كلِّ البشر. وهلْ هُناكَ ثقةٌ عمياءُ، وطاعةٌ مطلقةٌ كثقةِ إبراهيمَ (ع) بربِّه، وطاعته له؟              

   ثمّ؛ لماذا هذهِ القصّة؟ ولِمَ نذْكُرُها الآن؟

   والجوابُ هوَ أنّ بوصَلةَ الثقةِ والطاعةِ، لدَيْنا، قدْ أضاعت اتّجاهاتها الصحيحة، فبِتْنا نستوردُ من الغرب ما نستورد دونَ وعيٍ، أو تفكير، ونقلِّد دونَ تمييز، أو تفَكُّرٍ، أو تأمُّلٍ.

   هلْ حقّاً أنّ الغربَ متنزِّهٌ عنِ الخطأ والرّذيلة؟ هل حقّاً أنّ الغربَ أقربُ إلى الفضيلة منّا؟ هل حقّاً أنّ كلّ ما ينجزه الغرب، ويقوم به، ويأكله، ويلبسه، ويشربه، ويمارسه... هو المِثالُ الذي يُحتذى؟

   إذا ما قلّدَ الشيعيُّ إماماً مَرجعاً؛ فإنّما يقلّدهُ لأنّه من الرّاسخينَ في العِلمِ، الحائزينَ على ثقةِ واعترافِ أهلِ العِلم والأخلاق، فمنَ الطبيعيِّ أنْ يحوزَ هذا المرجعُ ثقة وطاعةَ مقلّديهِ؛ لأنه يَفوقُهم معرفةً واجتهاداً واجتراحاً للحلول. ولن أُسهِبَ في موضوعِ التقليد، ذلك أنّكم، بمعظمِكم، أكثر معرفةً منّي به.

   إذاً؛ الفرقُ كبيرٌ بينَ أنْ تقلِّدَ غرباً لا تَعرف عنه شيئاً، ولو ملأَ جميعَ حوّاسِّكَ بما أنتجت حضارته المادّيّة الحديثة، وأن تقلّدَ مِنْ نوابغ أمّتك مَنْ تعرف جيّداً أنّه أعلمُ منكَ في أمورِ دِينِكَ، ودنياكَ، وآخرتك.

   وفي هذا السّياق، يمكن لأحدِكُم أن يتساءَلَ: بمَنْ نثق؟ ومَن نطيع؟ ولمَنْ نُسلِّمَ عنانَ أمورنا؟

   أقولُ لكم، بمحبّةٍ ومسؤوليّة؛ إنّ الثقةَ والطاعةَ سلاحٌ ذو حَدَّيْن. فإذا كانت الثقةُ بموضعها الصّائبِ، والطاعة لمَن يستأهِلُها، أمِنْتم مزلّة الأقدام، وتجاوزتم كلَّ ريحٍ، وبَرُّ أمانِكم، وأمنِكم، وسلامتِكم وخيْرِكم، يفتح لكم ذراعَيْه. أمّا إذا ما وضعْنا الثقةَ في غيرِ موضِعِها، وأطعْنا مَنْ عمِيْنا عن عيوبِه ورذائلِه؛ فإنّ شرّاً ينتظرنا، وسقوطاً في هاويةِ الخطأ والرّذيلةِ قد يُفاجِئُنا.

 

   خيرُ مَنْ يستحقّ ثقتَنا، ويستأهل طاعَتنا، بعد الله والرُّسُلِ، هُم أكثرُ الناسِ محبّةً لنا، ومعرفةً بنا، وخبرةً بالحياة، ورسوخاً بالعِلم. لذا؛ علينا أن نثقَ بوالدِينا؛ لأنهم خيرُ مَنْ يُحبّنا، ويعرفون ما لا نعرف، وخَبِروا الحياةَ أكثرَ منّا، ولو حصّلنا شهاداتٍ أرفع من شهاداتهم، فيبقى أنّ "مَنْ كانَ أكبر منّا بشهْرٍ، فهو أعرفُ منّا بدهْر"، وعلينا أن نطيعهم  طاعةَ إبراهيم لربّه، وإسماعيلَ أو إسحقَ لأبيه إبراهيم.

   وأقولُ لكم أيضاً: ثقوا بمعلِّمِيكم، وأطيعوهم؛ فهم يحملونَ لكم محبّةً قد توازي محبّة والدِيكم، وهم لا يدّخرون أيّ جهدٍ في سبيلِ تنميةِ معارفكم، ومهاراتكم، وقُدراتكم، لتكونوا خيرَ خلقِ الله في أوطانكم وأممكم. ولْتذكروا، وأنتم تبْذرون الثقة، وتغرسونَ الطاعةَ، أنّ هذه البذور، وتلك الغَرْسات لا تُنبِتُ خيراً إلاّ في تربةِ مَنْ يُحبّنا، ومَنْ كانَ مِن الرّاسخين في العِلم. أوصيكم بالطاعة لمعلّميكم، أيّاً كانت المستويات التي قد تؤهّلهم لثقتكم، ولطاعتكم، فهم، مهما اختلفت شخصيّاتهم، يبقون أعرَف منكم، وأخبَر منكم، وهم البوصلة لسفينة إبحاركم في لُجَجِ هذه الحياة العاتية.

   أيّها الأعزاء؛ علينا أن نطيعَ مَن يُحبّنا، ومَن لديْه العِلم والخبرة والحكمة؛ فمن كان أكبر منّا، كان، بالتأكيد، أكثر معرفةً منّا، وتالياً، إنْ أخطأ، فسيخطئُ أقلّ منّا.

   يقولُ المثلُ: ""أعطِ الخبزَ للخبّاز، ولو أكلَ نصفه"؛ فكيف إذا كان الخبّاز والديكم أو معلّميكم؟! كيف إذا كان الخبّاز مِمّنِ اغترفَ مِنَ العِلمِ ما يؤهّله ليقودَكم إلى بَرِّ التميُّزِ والإبداع والأمان؟

              لنْ أُجهِدَ نفسي، وأنصحكم بألاّ تجهدوا أنفسكم بالبحث عن مصادر ومراجع تؤكّد على صحّة الثقة بالأهل وبمَن هو أعلمُ وأخبرُ منّا، وعلى الطاعةِ لهم؛ ولكنّني أُحيلكم إلى قصّة "وليم تل"، وأترككم باحثين عنها، متّعظين، معتبرينَ منها.

 

   أيُّها الأحبّاء،

   ما أحْوَجنا إلى مثل هذه الثقة، وهذه الطاعة! ما أحوجنا إلى رابطٍ متينٍ بأهلنا! ليشدّنا إلى عاداتنا، وتقاليدنا، وقِيَمنا، وأعرافنا، وهويّتنا، في عصْرٍ تكادُ فيه القِيَمُ تنقلب، بلْ تختفي، ما أحوجنا إلى ثقة تثبّتُ فينا انتماءَنا إلى بيئَتِنا وتربيتنا! وتمنعنا من الانجرارِ وراءَ تقاليدَ وعاداتٍ متستّرةٍ بمفهوم "الفرنجي برنجي".

   قد يكون للبعضِ تجاربُ وخبراتٌ تدفعه لعدمِ الثقةِ والطاعة؛ ونحنُ نردّها إلى أنه لم يضعْهما في مَنْ يستحقّهما، وحتى لو كانت هذه التجارب صحيحة، فإنّها تبقى قليلة جدّاً، أمامَ الكثيرِ منَ الخُبراتِ والتجارب التي توجِبُ أساساً من أُسُسِ الأخلاق والقِيَم، ألاَ وهو الثقة والطاعة.

   ثقوا بمَنْ يحبّكم دون مقابل، وأطيعوا مَنْ هو أعلم منكم؛ وبذلك تسلكون طريقَ الصعودِ إلى الخلاص.

                                                                                                                                                    الشيخ منذر وديع أنطون

                                                                                                                                                        رئيس المدرسة

HOME