لقاء حواريّ مع سماحة السيّد محمّد حسين فضل الله

 

حرصنا في مصباحنا لهذا العام أن ننهلَ من معينٍ موّارٍ بالنتاج الفكريِّ المفعم بروح العصر، وأردنا أن نضيء مصباحنا بزيتِ كلماته نعني به سماحة المرجع السيِّد محمد حسين فضل الله.

 

حاوره كلٌّ مِن:

رئيس المدرسة الشيخ منذر أنطون،                                                                      

الأستاذ حسن كركي،

الأستاذ علي شكر،

الطالبة فاطمة توفيق غندور،

الطالبة ندى عبّاس صبّاح،

الطالب علي حسين عطوي،

والطالب حسين علي أيّوب،

 

أجريَت المقابلة يوم الأربعاء الواقع فيه 15 نيسان 2009، الساعة 12,45 ظهراً في منزله الكائن في حارة حريك.

 

بدايةً، إستهلَّ سماحته المقابلة بمقدِّمة جاء فيها:

 

"كنا دائماً نقول بأنه هناك بين المسلمين والمسيحيِّين دائرتان: دائرة اللاّهوت وهذا لم يفهمه أكثر المسيحيّين وأكثر المسلمين، وهناك دائرة القِيَم: الأخلاقيَّة والروحيّة وهذه هي التي تمثِّل الحياة الإجتماعيّة التعايشيَّة بين الناس بشكل عام، ولذلك نرى أنَّ القِيَم الإسلاميّة والمسيحيّة هي قِيَم مشتركة، يعني هل لدينا صدقٌ إسلاميٌّ يختلف عن صدقِ مسيحيّ،  أو أمانة إسلاميّة تختلف عن أمانة مسيحيّة إلى آخر القائمة في الجوانب القيَميَّة الأخلاقيّة؟ ولذلك فعلينا التركيز في تعاليمنا الدينيّة على محبّة اللّه لأنّ المسلمين والمسيحيّين وإنِ اختلفوا في بعض خصوصيّات التوحيد، فالمسيحيُّ يقول: بسم الآب والإبن والروح القدس إلهاً واحداً، والمسلم يقول: (قُلْ هوَ اللهُ أحَد، اللهُ الصَّمَد، لمْ يَلِد ولمْ يُولَد ولمْ يَكُنْ لهُ كفواً أحَدْ)، والمسيحيّون يقولون بأنّ اللهَ تجسَّدَ في السيِّدِ المسيح وربّنا يسوع المسيح، ونظريّة الفداء، إنّها أمورٌ ليست من أسُسِ العقيدة لكنّها من تفاصيلها. نحن يمكن أن نفهِّم الطلاب الخطوطَ العامّة التي يتديَّنون بها بشكلٍ مشترك، ونفهِّمهم القِيَم الأخلاقيّة والروحيّة التي نشترك فيها والتي تمثِّل أسُسِ العيش المشترك، حتى أنا أقول أكثر من هذا بأنّ الكلمة السَّواء التي ركَّز عليها القرآن: (تعالوا إلى كلمة سواء)، حتى بالنسبة للناس الذين لا أتّفق معهم بالدِّين عندما أتفق معهم على قضيّة إنسانيّة هذه هي الكلمة السَّواء. دعونا نشترك في هذه المسألة الإنسانيّة، السياسيَّة والاجتماعيَّة يعني في ما نلتقي عليه، لذلك يعني أنّ مشكلة الأديان ليست مشكلةَ أسس أديان أو خطوط أديان وإنّما المشكلةُ العصبيَّةُ لأنَّها تغلق عقلك، وتجعلك لا تفكِّر، وتجعلك لا تنفتح على الفكر الآخر، وتجعلك تعيش في زنزانة في دائرتك الخاصَّة في هذا الموضوع. ويعرِّف أحد أئمّة أهل البيت العصبيَّة الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين: "إنّ العصبيّة التي يأثم عليها صاحبُها أن يرى الرّجل شِرارَ قومه خيراً من خيارِ قومٍ آخرين، وليس من العصبيَّة أن يحبُّ الرجل قومه ولكن أن يُعينَ قومَه على الظلم".

يعني أنت عربيّ تحبُّ العَرَب، وأنتَ لبنانيّ تحبّ اللبنانيّين لكن عندما تصل المحبّة إلى مستوى المبادئ يتأخّر الانتماء لتتقدَّم المبادئ، فإنّ مشكلتنا في لبنان خصوصاً في المسار السياسيّ أنّنا نعلِّم الناس كيف يحقدون على بعضهم بعضاً، وكيف يتعصّبون على بعضهم البعض، مع أنّ المسيحيَّة تقول: إنَّ الله محبّة، والمسلمون نقول: لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحبُّه لنفسه ويكرَه لها، ولكنهم حينما ينطلقون بالطريقة الشيطانيّة يَدَعون كلّ هذا في المساجد والكنائس، ولذلك لبنان الإشعاع الفكريّ ولبنان الانفتاح والحريَّة خرّبناه من خلال هذه التربية القائمة على العصبيّة وليست التربيّة القائمة على الجانب القيَمي من الرّوح والأخلاق، ونحن كُنَّا نعرف أنّ المدرسة الإنجيليّة كانت من المدارس الخاصّة المتقدِّمة في النبطية، ونشأت فيما بعد مدارس أخرى كمدرسة المصطفى ومدرسة الرَّحمة، وأنا أرى بأنّه من الواجب أن تتكامل هذه المدارس، وحتى عندما يوجد التنافس وخاصّة في أن تحاول أيّ مدرسة تطوير مناهجها ونُظُمها وعطاءاتها أكثر من الأخرى، لأنّ التنافس شيءٌ والصِّراع شيءٌ آخر، ولا نريد أن نعيش هذا الصِّراع، وخصوصاً نحنُ نربّي جيلاً ولا يجوز أن نربِّيه على الصِّراع، نعَم نربِّيه على التنافس من أجل التطوُّر، وورد في القرآن الكريم: (وقلْ ربّي زِدْني علماً)، لأنّ الإنسان عندما يصل إلى درجةٍ منَ العِلمِ عليه ألا يقف عندها بل عليه أن يصعد إلى الدرجات الأخرى".

 

وبعد  انتهاء سماحته من مداخلته القيِّمة طُرِحَت بعضُ الأسئلة التي تُراود أذهاننا فكانت إجابته عنها على الشكل التالي:

 

1-     هل الشباب اللبناني يُعوَّل عليه في بناء وطن؟

        "الشباب اللبنانيّ شبابٌ حيّ، وعندما تصدر النتائج السنويّة على صعيد الامتحانات نجدُ بأنّ هناك تقدُّماً علميّاً من خلال الكثير من الشباب، ولكن على الشباب اللبنانيّ أن لا يعيش العصبيّة الطائفيّة، أو العصبيّة الحزبيّة وعليه أن لا يستعبد نفسه لزعيم، أيِّ زعيمٍ كان، حتى أن لا يستعبد نفسه لرجلِ دين، فرجالُ الدِّين بشرٌ مثل بقيّة البشر، ونحن لسنا عبيداً لهم، وهم مثقَّفون ثقافةً دينيّة وإذا كانوا أُمَناء على هذه الثقافة في سلوكيَّاتهم وعلمهم نتّبعهم كما نتَّبعُ أهل الخِبرة، ونتّبع الأمناء، ولذا، أنا أدعو إلى نقد رجال الدِّين، لأنّ رجالَ الدِّين بشرٌ، والمهمّ أن تحافظوا على حريّة فكركم، وأن تعوِّدوا أنفسكم على التفكير في كلِّ شيءٍ، ولا يجوز أن نقولَ للآخر فكِّر لنا، إنّما فكِّر معنا لنفكِّر معك، ولا يجوز أن ننحني بإرادتنا وفكرنا للآخرين، نفكِّر لنتعلَّم، لأنَّه ربَّما تفكيرُنا يكون محدوداً ونتعلَّم مِمَّن يملكون الفكر، وعندما يُعطون فكرهم نفكِّر فيه ونناقشه، وعندما يتعلَّم الشباب أن يُفكِّروا بحريّة، يمكنهم صنعُ لبنان المستقبل".

2-     (مَن شَهِدَ منكم الشّهرَ فلْيَصِمْهُ)                                                     

وَرَدَ: "صوموا لرؤيتِهِ، وافطروا لرؤيتِهِ".

  *    كيف تفسِّرون ما سلَفَ انطلاقاً من نظرتكم العلميّة للحياة؟

"مَن شَهِدَ يعني من حَضَر، لأنَّ الشهرَ لا يُرى ولا يراه أحدٌ إنّما يُرى الهلال، وورَدَ في القرآنِ أيضاً: (ومَنْ كانَ مريضاً أو على سَفَرٍ فعدَّةٌ مِن أيّامٍ أخر).

 

        (صوموا لرؤيته):

        الرؤية وسيلة للمعرفة ليس لها خصوصيّة، يعني لو قال أحدهم: إذا رأيتَ فلاناً أخبرني، وإذا هاتفك ولم ترَه هل تخبرُه أو لا تخبره، لأنّ المشاهدة هي وسيلة من وسائل المعرفة. كذلك (صوموا لرؤيته): إنّ الرؤية وسيلة من وسائل دخول القمر إمكانيّة الرؤية، فالزمن لا فواصل فيه ولا حدود، وهذا ينطبق على المكان المفصول بحدود. فمثلاً نحن انتهينا من شهرٍ وبدأنا بشهرٍ جديدٍ،  فهل هناك فواصل بين هذين الشهرين؟ وما الذي يفصل شهراً عن شهر؟ الذي يفصل شهراً عن شهر هو دخول القمر في المحاق، يعني الجانب المظلم من القمر يظهر، لأنّ للقمر جانبيْن، جانبٌ مظلمٌ وجانبٌ مضيءٌ، فعندما ينتهي الجانب المظلم ويبدأ الجانب المضيء يعني أنه دخلَ الشهر الجديد، وهذا مَن يعرفه غيرُ الفلكيّين؟ لأنَّ الحسابات الفلكيّة أدقُّ من الرؤية، ولأنَّ في أيّامنا هذه الفضاءُ ملوَّثٌ من جهةِ المصانع، والرؤية كما قلنا هي مجرَّدُ وسيلةٍ من وسائل المعرفة بأنّ القمر خَرَجَ من المحاق ودَخَلَ في منطقة الرؤية. ولذا، أنا أُفتي بأنّه إذا قالت الحساباتِ الفلكيّة بالولادة وصارَ فيها كمّيّة من النور، بمعنى يُمكن رؤيته، ولو لمْ نرَه يعني أنّ الشهرَ قد بدأ".

 

3-     قد تكون الرؤية الفلكيّة تحديد المكان والزمان للولادة الفلكيّة العلميّة، فما هو الرّبط بين الولادة الشرعيّة ما قبلَ المغيبِ وما بعد المغيب؟.

"نظام الأشهر مرتبطٌ بالنظامِ الكونيِّ، وإنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلفَ السّموات والأرض. أساساً إنّ نظامَ الزمنَ مرتبطٌ بالنظامِ الكونيِّ والنظامِ الكونيِّ لا يتغيَّر".

 

4-     نَصَّ اتفاق الطائف على إلغاء الطائفيّة السياسيّة ليقوم كيانُ لبنان، فهل تعتقدون أنه    وفي ظلِّ هذه التعدُّديّةِ الطائفيّةِ سنصبح على لبنان وطناً؟

 

        "إنّ لبنانَ وطنٌ سواءَ كان باتفاق الطائف أو اتفاق الدوحة أو أيِّ اتفاق؟؟ ولبنان هو وطنٌ يضمُّ الناسَ المظلومين الذين لم يستيطعوا إيجادَ العيشِ الكريمِ فأتوا لبنان، الشيعةُ والموارنةُ والأرمن على سبيلِ المثال، لذلك نقولُ بأنّ لبنانَ وطنٌ، ولكنّ اتفاق الطائف لم يكنْ حلاًّ لإنشاءِ لبنان وإنّما كانَ لإنهاء الحرب، لأنّه عندما نشبت الحرب الأهليّة وشعروا بأنّهم ليس هناك ما يجمع اللبنانيّن مع بعضهم عندها جاء اتفاق الطائف من خلال وضعٍ دوليٍّ ووضعٍ إقليميّ، إنّه انطلق من خلال قرارٍ أميركيٍّ، وعقالٍ عربيٍّ، وطربوشٍ لبنانيّ".

 

        "أمّا بالنسبة إلى إلغاءِ الطائفيّةِ السياسيّةِ موجود في القانون اللبنانيّ لكنّ المجلسَ النيابيَّ يُبعِدهُ لأنّ الجميع لا يرضى بذلك".

 

 

5-     كيف يمكن أن نبني وطناً يُفكِّرُ ويُنتِجُ ويُقاوِمُ، وما هي الكلمة التي توجِّهونها إلى مدارس وطلاّب لبنان في هذا الظرف العصيب؟

 

        "أنا أقولُ: أنْ نُؤَنسِنَ الوطن ولا نعبده، وعلينا أن نجعلَ الوطن إنساناً، فقيمةُ الوطنِ هي الإنسان، وقيمةُ الإنسان في الوطن هي بمقدار ما يُحقِّق للناس الذين يعيشون فيه الحياة الكريمة، وهنا أستشهدُ بقولٍ للإمام عليٍّ (ع): "ليسَ بلدٌ أولى بكَ من بلدٍ، خيرُ البلادِ ما حملك"، فقيمةُ الوطنِ أن يحمي الإنسان، وحريّة الوطنِ هي حرّية الإنسان، وغنى الوطن هو غنى الإنسان في هذا المجال، لذلك نقولُ إنّ مشكلةَ الطائفيّة السياسيّة هي أنّ أغلب السياسيّين اللبنانيّين لا يريدون إلغاءَ الطائفيّة، والمسيحيّون يعتبرونَ أنّ المسلمينَ أكثر عدداً وإذا ألغينا الطائفيّة سيُصبحُ الحُكم في أيدي المسلمين على أساس الديمقراطيّة العدديَّة وبعضهم يقول: بأنّ لبنان يجب أن يكون ديمقراطيّة توافقيّة ويتكلّمون بأكثريّة وأقليّة يعني أنهم يتكلّمون شيئاً ويقرّرون شيئاً آخر، ونحنُ نقولُ أنه على جيل الشباب وخصوصاً الجيل المتعلم عليه أن يشعر بأنّ عليه أن يبني مستقبلاً، أن لا ننظر إلى الماضي إنما كيف نستطيع أن نملأ الحاضر بالعناصر التي تؤكِّد المستقبل".

 

6-     سماحة السّيِّد هل هناك نظريّات دَحضت نظرية دارون التي مفادها أنّ الإنسان أصلُه قردٌ ثمَّ تطوَّرَ ليصبحَ إنساناً سويّاً؟

 

"إنّ داروين هناك ضعفٌ في نظريّته لأنّه اعتمد على بعض الحفريّات المحدودة ولم يرَ العالم كلّه، بالإضافة إلى أنه اكتُشف في الغرب حفريّات بعد داروين متقدّمة على ما جاءَ به، تُثبِّت بأنّ هناك إنساناً كان، ولذلك ليست المسألة هي أنّ هناك ردّاً عليه أمْ لا، لأنّ أساس نظريّته محلّ مناقشة، وإنّه كان يعتبر نفسه مؤمناً وليس مُلحِداً؛ حتى أنّ بعض الناس يقول: "إنّ خلْقَ الإنسانِ كان متدرِّجاً؛ نطفةٌ، عَلَقة، مُضغة، عظام، لكنّنا نتساءل إذا كان الإنسان أصله قردٌ لماذا وقف التطوُّر على ذاك الزمان، فإذا كانت نظريّة النشوء والارتقاء التي بدأت بقضيّة القرد فلماذا وقفَ التطوّر، وإنّ التطوّر قانونٌ طبيعيٌّ، لذلك نقولُ بأنّ هذه النظريّة ليس لها أساسٌ علميٌّ، وإنّ هناك حساباتٍ منطلقةٌ من بعض التجارب المحدودة عند دارون".

وأخيراً التُقِطت صُوَرٌ تذكاريّةٌ مع سماحته.