|
المدرسة الإنجيليّة الوطنيّة في النبطيّة
إعداد الاستاذ جميل حسين معلـِّم
(2008 - 2009) المقدِّمة
تعتبر المراهقة من أهمّ المراحل التي تنجم عنها مشكلات تعاني منها المجتمعات الإنسانيّة، لاسيّما المتحضّرة منها؛ ذلك أنّها من المحطات الحرجة في مسيرة نموّ الفرد ، نظراً لفورة الغرائز من ليبيدو وعدوانيّة، ولتسارع النموّ فيها، ما يُعرّض المراهق إلى مشكلات التكيّف مع الذات والمحيط.
إنّها أزمة الانسلاخ عن الطفولة، وإحراز الاستقلاليّة عن الكبار، وهي معركة تأكيد الذات مع الذات والآخرين، في وقت يعيش فيه المراهق صراع الانتقال من الطفولة وأمنها وأمانها، إلى الرشد ومسؤولياته وهواجسه.
لقد دفعني عملي إلى دخول عالم المراهقة المفخّخ من بوابته الحياتيّة الواسعة،وذلك كوني أستاذاً للتعليم الثانويّ يتعاطى ويتفاعل مع هذه الفئة العمريّة، وعلى قاعدة إعرف من تتعامل معه، تكسب خيره وتتـّـق ِ شرّه؛ وتوخياً لإنجاح عمليّة التواصل أكثر بيني وبين تلامذتي المراهقين، لذلك ؛ آثرت الخوض في مشوارٍ بحثيّ تعلـُّميّ معرفيّ، علـَّني أسبر أغوار وأسرار المراهقة بإزميل الدراسات والعلوم التي قدّمها المتخصّصون.
وفي دراستي هذه، التي حملت " البلوغ والمراهقة في منظور علم نفس النموّ" عنواناً وموضوعاً لها، اعتمدت المنهج الوصفيّ، ذلك أنّه المناسب لعرض ما وقعتُ عليه من معارف، ولبيان الخصائص العامّة لمرحلة المراهقة كما تناولها وصنّفها العلماء والدّارسون.وقد كان الانطلاق من الإشكاليّة الآتية:
" هل يؤثر النموّ الجسميّ في حياة المراهق العقليّة والعاطفيّة والاجتماعيّة؟".
وللدراسة والعرض وتقديم الأدلة والشواهد، جاء تقسيم البحث على الشكل الآتي: أوّلاً – معنى المراهقة: - لغة. - اصطلاحاً. - مرادفاتها. ثانياً – مراحل المراهقة: - البلوغ. - المراهقة. - النضج. ثالثاً – خصائص النموّ في مرحلة المراهقة: - خصائص النموّ الجسميّ/ الفيزيولوجيّ. - خصائص النموّ العقليّ. - خصائص النموّ الانفعاليّ. - خصائص النموّ الاجتماعيّ. رابعاً – الخاتمة. ولقد كان لنا اعتماد كبير على عدد من المصادر والمراجع المهمّة التي أغنت بحثنا ودراستنا بما وجدناه فيها من معارف. ولعلّ أبرزها كان كتاب د. مريم سليم ( علم نفس النموّ ) ، وكتاب د. امتثال زين الدين الطفيلي ( علم نفس النموّ من الطفولة إلى الشيخوخة )، وكتاب د. أحمد زكي صالح ( علم النفس التربويّ)، وكتاب عبد الغني الديدي ( التحليل النفسي للمراهقة )، وكتاب محمد رضا الشرفي ( دنيا المراهقات )، وغيرها، إضافة إلى شبكة الإنترنت. أمّا الصعوبات التي واجهتنا، فهي ، فيما عدا ضيق الوقت المحدّد من قبل الكليّة، تكاد لا تـُذكر. والله وليّ التوفيق جميل معلم ( كفررمّان / النبطيّة – 27/1/2009 ) الفصل الأوّل معنى المراهقة تمهيد: اهتمّ العلماء بتقسيم حياة الفرد ‘ منذ تكوّنه نـُطفة ً حتى مرحلة الرُّشد واكتمال النضج ‘ إلى مراحل مختلفة . ولم يتوافقوا على تقسيم واحد ، ذلك أنّ هناك الكثير من التقسيمات التي تختلف باختلاف العلماء ، وباختلاف الأساس الذي يتخذه كلٌّ منهم لتقسيمه. فمنهم من يعتمد الأساس العضويّ الجسميّ ( الغدّيّ)، ومنهم من يعتمد الأساس الاجتماعيّ، ومنهم من يعتمد الأساس العقليّ ، ومنهم من يعتمد الأساس العاطفيّ /الانفعاليّ، ومنهم من يعتمد غير ذلك ، أو يجعل هذه الأسس متداخلة. كلّ هذه التقسيمات تنضوي تحت ما يُعرَف بعلم نفس النموّ. وإذا كانت معرفة خصائص النموّ ومميّزاته والمتطلـِّبات في جميع مراحل الحياة المختلفة هامّة ، فإنّ معرفة تلك الخصائص في مرحلة البلوغ والمراهقة بالذات تـُعين في تربية وتنشئة المراهقين ليعبروا هذه المرحلة بسلام،لذلك أولينا هذه المرحلة بالتحديد اهتمامنا ،على أننا لا نـُغفل الأهميّة الكبرى التي تحملها دراسة النموّ وذلك لأهداف إمّا تربويّة ، وإمّا علاجيّة وإمّا علميّة بحتة.
1- المراهقة لغة ً: المراهقة في الأصل اللغوي تعني الاقتراب، فراهق الغلام أي قارب الاحتلام، ورهِقتُ الشيء رهقاً، أي قربت منه.[1] ويُقال رهِق فلان رهَقاً ، أي سفِهَ وحمُقَ وجهِل، وركب الشرَّ والظلم، وغشيَ المآثم، وكذَبَ، وعجِل.[2]
2- المراهقة اصطلاحاً : المراهقة كمصطلح تعني فترة الحياة الواقعة بين الطفولة المتأخرة والرشد، أي أنها تأخذ من سمات الطفولة ومن سمات الرشد وهي مرحلة انتقاليّة يجتهد فيها المراهق للانفلات من الطفولة المعتمِدة على الكبار، ويبحث عن الاستقلال الذاتي الذي يتمتع به الراشدون، فهو موزَّع النفس بين عالمَي الطفولة والرشد.[3] وهي ، تحديداً، " مجموعة التغيُّرات النفسيّة والجسديّة والاجتماعيّة التي تحصل بين نهاية الطفولة الثالثة (12 – 13 سنة) وسنّ الرُّشد (18 – 20 سنة)".[4] ويرى آخرون أنّ " مصطلح مراهقة بالمعنى الحرفيّ ( Adolescence ) يُشتقّ من الكلمة اللاتينيّة (Adolescencia )التي تُشتقّ من الفعل اللاتيني (Adolescere) الذي يُترجَم عن اللغة الفرنسيّة بمعنى (grandir) بمعنى كبُر. فكلمة مراهقة بالمعنى الحرفيّ تشتمل على كلّ المرحلة العُمْريّة التي تتـّصِف بالنموّ والتطوّر"[5]. في حين يعتبر البعض أنّ " المراهقة هي المرحلة الأكثر عطاءً في الحياة، ففي حين أنّ الجسم ينبني ويبلغ قمّة نُضجهِ وخصوصاً من الناحية الجنسيّة فإنّ جهوداً كبيرة تـُبذَل على مستوى البنيات العقليّة، ومحاولات التكيُّف الاجتماعيّ، ويحصل هذا في بنية مستعدّة للإبداع"[6]. وهناك رأي يجد في لفظة المراهقة " وصفاً مناسباً لمرحلة خاصّة تمتدّ من سنّ 12 إلى 20 عاماً في حياة الشخص، حيث أنّها لا تنطوي على أيّ قيد أو تعريف معيّن حول خصائص نموّ المراهقين أو أسباب خاصّة بالمراهقة" [7]. كما يُعرّفها البعض بأنّها " لفظ وصفيّ يُطلق على المرحلة التي يقترب فيها الطفل وهو الفرد غير الناضج انفعاليّاً وجسميّاً وعقليّاً في العشر السنوات الثانية من الحياة غاية النضج الانفعاليّ والجسميّ والعقليّ"[8]. 3- المراهقة والبلوغ والشباب: تشكّل المراهقة مسيرة باتجاه النضوج العاطفيّ و العقليّ والفيزيولوجيّ والاجتماعيّ والجنسيّ، ويعتبرها "روسّو" ولادة ثانية، تبعاً لما تشكّله من أزمة حقيقيّة لكلّ جوانب الشخصيّة. "إنّها أزمة اكتشاف الذات ومحاولة تأكيدها وإيجاد الموقع المناسب لها"[9]. وفي التعريف العلميّ المحض يختلط مفهوم المراهقة بمفهوم البلوغ[10] . على أنّه ينبغي التمييز بين البلوغ (Puberte') الذي " يشكّل المظهر البيولوجيّ لمرحلة المراهقة، وهو يشمل المرحلة التي يُصبح فيها الكائن قادراً على التناسل"[11] ، ويُغطي البُعد الفيزيولوجيّ والجسميّ، وبين المراهقة (Adolescence) التي تركّز على الأبعاد النفسيّة انطلاقاً من معركة تأكيد الذات، وبين الشباب (La jeunesse) الذي يركّز على البُعد الاجتماعيّ من حيث التكيُّف مع المحيط [12]. إذاً؛ نستطيع القول بأنّ المراهقة هي مرحلة تبدأ بشكل بيولوجيّ عضويّ وهو البلوغ[13]،وتستمرّ في حِراك نمائيّ متنوّع الأبعاد والمظاهر والخصائص، وتنتهي بشكل اجتماعيّ وهو الشباب. والمراهق هو فردٌ يبحث لنفسه ، في المجتمع الذي يعيش فيه، عن وضع ما من الأوضاع كي يصبح شخصاً.
الفصل الثاني مراحل المراهقة تمهيد : لا يُمكن حصر مرحلة المراهقة بسنوات معيّنة، لأنها تتفاوت بتفاوت الأشخاص والمجتمعات.على أنه يمكننا تحديد بدايتها بشكل شبه قاطع باعتبارها تتزامن مع البلوغ الجنسيّ، ولكن اختلاف الظروف الثقافيّة والمناخيّة من مجتمع إلى آخر يجعل مسألة تحديد نهاية واحدة لها أمراً متعذراً. ولذلك فقد تمّ حصْرُ سني المراهقة بين 13 و18 لدى الذكور، وبين 11 و16 لدى الإناث، باعتبار أنّ الإناث يدخلن سن البلوغ عادة أبكر من الفتيان بسنة أو بسنتين. ولا نُغفل أنّ مرحلة البلوغ قد تبدأ في وقت مبكر (البلوغ المبكر)، أو قد تتأخر ( البلوغ المتأخـِّر) ، وذلك نتيجة لبعض العوامل المؤثرة.[14] وتوخـّياً للدقة والوضوح ، يُمكننا الكلام على ثلاث مراحل يمرّ فيها المُراهق ، هي : مرحلة البلوغ، ومرحلة المراهقة، ومرحلة النضج وحلّ أزمة المراهقة. 1 – مرحلة البلوغ: المعنى الحقيقيّ لكلمة " بلوغ " باللغة الأجنبيّة ( Puberte’ – Puberty ) والمشتقـّة أصلاً من اللاتينيّة (Puber أو Pubis ) هو شَعر العَانة. ويُشكـِّل البلوغ المظهر البيولوجيّ لمرحلة المراهقة، وهو " المرحلة التي يتمّ فيها النضج الجنسيّ "[15]، ومنهم من قسّم هذه المرحلة الطويلة في النضج إلى ثلاث فترات : ما قبل البلوغ ( مدّتها من سنة ونصف إلى سنتين )، فترة البلوغ التي يُطلق عليها أزمة البلوغ ( مدّتها من ستة أشهر إلى سنة ) ، وما بعد البلوغ وتستمرّ من سنة إلى سنتين[16]. ويقصد آخرون بالبلوغ " تلك التغيّرات الفيزيولوجيّة والمورفولوجيّة الناجمة عن بدء النشاط الغدديّ وانعكاس هذه التغيّرات على نفسيّة المراهق وسلوكه"[17] . كما يُطلق البلوغ على المرحلة التي يمتلك خلالها الحيوان، من الناحية الجنسيّة، القدرة على التناسل. وعلاماته هي نموّ الأعضاء التناسليّة، وتغيُّر الخصائص الثانويّة الجنسيّة[18]، حيث تنتهي هذه المرحلة عادة في الوقت الذي " تصل فيه الفتاة إلى مرحلة نضج المبيضين وبدء الطمث، والفتى إلى مرحلة القذف"[19] . والتطوّر الجنسيّ يؤلّف جزءاً من الإرث الصبغي [ Chromozomes ] للفرد، لذلك فإن عمليّة البلوغ تتمّ بحسب خطة مرسومة ومحدّدة وراثيّاً ، حيث أنّ " الغدد الجنسيّة التي كانت حتى الآن في حالة كمون تستيقظ بفعل الهرمونات التي تفرزها الغدّة النخاميّة [ Hyophyse ] بتأثير النشاط المتولِّد عن "مركز جنسيّ" يقع في أسفل الدماغ. فمن هذا المركز تنطلق الشحنات التي تطلق النشاط الهرمونيّ الذي يكون مسؤولاً عن إحداث التغيرات المورفولوجيّة التي ستحدِّد مظاهر البلوغ "[20].
2 – مرحلة المراهقة ( أو المراهقة الوسطى ): تأتي هذه المرحلة بعد أزمة البلوغ، حيث يعمل المراهق على استعادة توازنه الذي انقطع بفعل هذه الأزمة وانعكاساتها النفسيّة. إنها " مرحلة تأكيد الشخصيّة بعد تقبُّل التغيّرات التي طرأت عليها من خلال التكيُّف مع المجتمع كنظام من العلاقات ومع القيم والقوانين المجرّدة التي تحكم هذه العلاقات"[21]. ويُطلق " هول " عليها تسمية مرحلة الأزمات والاضطرابات ، والإفراط في المثاليّة، والثورة على القديم والتقاليد البالية، ومرحلة الانفعالات الحادّة، والعواطف، والحبّ، والميل إلى الجنس الآخر، والصداقة، ومرحلة الشكّ، والنقد الذاتيّ، وانحلال الروابط بين عوامل " الأنا " المختلفة. وفي آخر هذه المرحلة يُعيد الفرد بداية الحضارة ، أي بداية النضج والتوازن والعقلانيّة. وفي هذه المرحلة تتساوى نسبة التغييرات في الأفكار والسلوك مع نسبة التغييرات العضويّة والجسميّة. على أنّ هناك خمسة أنواع من التغييرات المتزامنة معاً خلال مرحلة المراهقة، والتي يشترك فيها جميع المراهقين في العالم بلا استثناء، وهي : - نسبة النموّ العاطفي ( الانفعاليّ ) تتساوق مع نسبة سرعة التغييرات الجسميّة والنفسيّة. - سرعة التغييرات المتزامنة مع النموّ الجنسيّ تجعل المراهقين غير واثقين بأنفسهم وبقدراتهم وهواياتهم أو رغباتهم. - التغييرات العضويّة التي ستضع المراهقين أمام أدوار ووظائف جديدة ، تبدو أصعب على الحلّ ممّا كانوا يتصوّرون، فيعيشون الصراع مع ذواتهم قبل التمكّن من حلّ مشكلاتهم. - مع تغيُّر نماذج الميول والسلوك تتغيّر القيم والأفكار. - أغلب المراهقين يتـّسمون بحالة من التذبذب ، ذلك أنهم في الوقت الذي يطالبون بالاستقلال في شؤونهم، نجدهم في كثير من الأحيان يخافون من المسؤوليّات المترتبة على ذلك[22].
وتأخذ المراهقة في المجتمعات المتمدنة أشكالاً مختلفة، حسب الوسط الذي يعيشه المراهق، كما يلي: · المراهقة السوية: المتكيفة الخالية من المشكلات. · المراهقة الانسحابية: حيث ينسحب المراهق من مجتمع الأسرة ومن مجتمع الأقران ويفضل الانعزال والانفراد بنفسه، حيث يتأمل ذاته ومشكلاته. · المراهقة العدوانية: المتمردة حيث يتسم سلوك المراهق فيها بالعدوان على نفسه وعلى أفراد الأسرة والمدرسة. · المراهقة المنحرفة: حيث ينغمس المراهق في ألوان من السلوك المنحرف كالمخدرات والسرقة والانحلال الخلقي.[23] ونستطيع القول بأنّ هذه المرحلة الواقعة بين الطفولة والرشد هي ميزة واضحة للجنس البشريّ، " فنحن لا نلاحظ عند الحيوان سلوكات تخصّ المراهقة، فالمراهقة إذاً هي مرحلة خاصّة بالإنسان فقط وإن كانت ظواهرها تختلف باختلاف الزمان والمكان والمجموعات الثقافيّة".[24]
3 - مرحلة النضج وحلّ أزمة المراهقة (الشباب): بعد زوال صعوبات التكيّف مع الواقع الجسديّ الجديد، ومع المبادئ الاجتماعيّة السائدة ، عن طريق التجربة والخطأ الذاتيّين، يتوصّل المراهق بعد سنّ الثامنة عشرة إلى توازن جديد. ويرى البعض أنّ " النضوج السليم هو الذي يحقق التوازن بين الطموحات الإيجابيّة وبين النشاط الذكائيّ المجرّد مع الاحتفاظ بحصّة للخيال والأحلام"[25]. وتُجمع الدراسات النفسيّة والاجتماعيّة اليوم على أنّ نهاية أزمة المراهقة تتوقف على عوامل داخليّة وخارجيّة، ولكنها في إطارها العام تتمركز حول تحقـُّق شرطين : - الشرط الأوّل : أن تنتهي الاضطرابات العضويّة التي تصاحب انتظام الوظائف الجنسيّة. - الشرط الثاني : أن توظـِّف الحياةُ الاجتماعيّةُ المراهقَ وتشغله[26]. وعلى أيّ حال ينبغي ألا نعتقد بأن المراهق يتخلى كليّاً عن تمايزه وتفرّده، وإنّما هناك الكثير من الأفراد الين يتظاهرون بتكيّفهم مع الواقع دون أن يتنازلوا عن نرجسيّتهم ومثاليّتهم. ونستطيع القول بأنّ " المراهقة هي مرحلة التجريب والاختبار. أمّا النضوج فهو مرحلة الاستقرار والثبات وتباطؤ وتيرة النموّ الذي قد يظلّ مستمرّاً إلى حدّ الخامسة والعشرين بالنسبة للوظائف الجسديّة وإلى حدّ الثلاثين بالنسبة لبعض الوظائف النفسيّة "[27] . الفصل الثالث خصائص النموّ في مرحلة المراهقة تمهيد: يُقصَدُ بالنموّ كلَّ ما يطرأ على أعضاء وأجزاء ووظائف الكائن الحيّ من تغيُّراتٍ، تسير به إلى الأمام حتى النضج. والنموّ بمعناه العام يتضمّن " كلَّ التغيّرات التي حصلت على النواحي العقليّة والانفعاليّة والاجتماعيّة والحسّيّة – الحركيّة "[28]. ويُشير العلماء إلى أنّ هناك مرحلتين في حياة الإنسان يتسارع فيهما النموّ بشكل ملحوظ ومتميّز عن سائر المراحل. إحداهما المرحلة الجنينيّة، والأخرى مرحلة المراهقة. كما تجدر الإشارة إلى أنّ شخصيّة المراهق متداخلة الجوانب . والحديث عن هذه الجوانب يجب أن لا يُنسينا " وحدة الشخصيّة عند المراهق، وتفاعل مكوّناتها في ما بينها "[29]. على أن دراستنا وتحليلنا للشخصيّة، في اتجاهاتها النمائيّة كما تناولها العلماء، يظلّ نظريّاً فقط، تسهيلاً للبحث، فيما تظلّ الشخصيّة وحدة متكاملة لا تقبل التجزيء.
1 - خصائص النموّ الجسميّ والفيزيولوجيّ لدى المراهق: في هذه المرحلة تُطرَحُ مسألة المظهر الحاليّ والمظهر المُقبل، ويُمكن التعبير عن ذلك بهذه التساؤلات " كيف أنا ؟" و" كيف سأكون ؟ " وكيف أنا بالنسبة لمن هم في مثل عمري ؟". ويعتقد " إريكسون" بأنّ المراهق يجد نفسه " وجهاً لوجه أمام ثورة فسلجيّة تغيّر تصوّراته الذهنيّة عن جسمه وهويّته، وتدفعه إلى التفكير بهيأته [بهيئته] الجديدة وبالتصوّر الذي يحمله الآخرون عنها "[30] . ويميّز بعض العلماء فترة المراهقة بالقفزة في نموّ الجسم والقلب. و" يصفون القفزة الجسميّة بتجدّد التركيبات العميقة في القضايا النفسيّة والعاطفيّة التي تأخذ بالتدريج، كما القفزة الجسميّة، شكلاً من أشكال القفزة الحقيقيّة"[31]. تمتاز مرحلة المراهقة بتغيرات جسمية سريعة وخاصة في السنوات الثلاث الأولى بسبب زيادة إفراز هرمونات النمو، فمن أهم مظاهر النمو الجسمي زيادة واضحة في الطول، وزيادة في الوزن، نتيجة للنمو في أنسجة العظام والعضلات وكثرة الدهون عند الإناث خاصة، وكذلك نمو الهيكل العظمي بشكل عام.[32] وتعتبر المراهقة من أهم فترات التغير الفيزيولوجي إذ تبدأ بالبلوغ والذي يتحدد بالحيض عند الإناث وبالقذف عند الذكور. ومن مظاهر النمو الفيزيولوجي نمو حجم القلب ونمو المعدة بشكل كبير، وهذا ما يبرر إقبال المراهق على الطعام بشكل واضح، كما أن حاجته الملحة إلى الغذاء تأتي نتيجة لنموه السريع الذي يستنزف طاقته. وللنمو الجسمي الفيزيولوجي آثار نفسية على المراهق يجب على التربويين والوالدين مراعاتها ومنها أن التغيرات الجسمية الجنسية تلعب دوراً واضحاً في مفهوم المراهق عن ذاته وبالتالي في سلوكه فتتراوح استجابة الفتاة نحو التغيرات الجسمية ما بين الاعتزاز بأنوثتها وبين الحرج نتيجة هذه التغيرات فتشعر بالقلق والتعب وخاصة أثناء العادة الشهرية رغم اعتزازها بذلك كأنثى. كما أن لشكل جسم الفتى دوراً في توافقـِه النفسيّ (الحساسية النفسية والانطباع عن الذات)؛ فظهور حَبِّ الشباب مثلاً في هذه المرحلة يثير متاعب نفسية لأنه يشوه منظر الوجه. " والنموّ الجسميّ من ناحية الشكل الخارجيّ لا يكون نموّاً واحداً لدىجميع الأفراد. وإنّما هناك فروقات تبعاً للجنس والعرق. لذلك يُمكن الكلام عن أشكال طبيعيّة للنموّ وأشكال غير طبيعيّة تعود في أغلبيّتها إلى اضطرابات عدّة"[33].
كما أنّ
التبكير والتأخير في النمو الجسمي والجنسي له مشكلات اجتماعية ونفسية؛
فالنضج المبكر عند الإناث يسبب لهن الضيق والحرج،
أما عند الذكور فينتج عنه
ثقة بالنفس وتقدير مرتفع للذات
رغم أن الذكور المتأخرين في النضج يعتبرون أكثر
نشاطاً.
ويتضح في هذه المرحلة " نموّ الخصائص الجنسيّة الآوّليّة والثانويّة، وتبدو الخصائص الأوّليّة عند البنين في الزيادة السريعة في حجم الأعضاء التناسليّة الخارجيّة كالخصيتين، ويظهر عند البنات نموّ المبيضين وزيادة حجم الرحم ووزنه وطوله، وتصاحَب هذه التغيّرات الأوّليّة بظهور الخصائص الجنسيّة الثانويّة والتي تتمثـّل عند الفتاة في ارتفاع الصّدر وبروز الثديين وكبر حجم الأرداف، وتعتبر الدّورة الشهريّة بداية النموّ وليس اكتماله أو القدرة على الإنجاب. أمّا عند الفتى فتتمثـّل في خشونة الصّوت وعرض الكتفين وظهور شَعر العانة"[34]. على أنّ الحديث عن النموّ الجسميّ يدفعنا إلى تناوُل النموّ الحركيّ نظراً للارتباط القائم بينهما. ونلاحظ في المراهقة " تنامي القدرة والقوّة الحركيّة بشكل عام إلى جانبالميل نحو الخمول والكسل والتراخي"[35]. وتمتاز حركات المراهق بعدم الاتساق وعدم الدقة فقد يكثر اصطدامه بالأثاث والأشياء أثناء حركاته في المنزل، وقد تسقط الأشياء من بين يديه، ويعود ذلك إلى " عدم التوازن بين النضج العضوي والوظيفي مما يؤدي إلى عدم التوازن الحركي، وربما يعود إلى عوامل نفسية مثل الحيرة والتردد ونقص الثقة بالذات والتفكير في توقعات الآخرين. وفي نهاية المراهقة الوسطى (المرحلة الثانوية تقريباً) يبدأ المراهق في التوازن الحركي نتيجة لتحقق النمو العضلي والعصبي والاجتماعي "[36]. 2 - خصائص النموّ العقليّ: من خصائص مرحلة المراهقة نمو الذكاء العام، وزيادة القدرة على القيام بكثير من العمليات العقلية العليا، كالتفكير والتذكر القائم على الفهم، والاستنتاج، والتعلـُّم، والتخيـّـل. وأيضاً نموّ القدرات العقلية الخاصّة؛ كالقدرة الرياضية(التعامل مع الأعداد)، والقدرة اللغوية، والدقة في التعبير، والقدرة الميكانيكية والفنية. وتتضح الابتكارات في هذه المرحلة كنتاج للنشاطات العقلية. كما يبرز نموّ بعض المفاهيم المجردة كالحق، والعدالة، والفضيلة، ومفهوم الزمن. ويتجه التخيل من المحسوس إلى المجرد. وكذلك " يُلاحَظُ نموٌّ في الميول والاهتمامات والاتجاهات القائمة على الاستدلال العقلي، ويظهر اهتمام المراهق بمستقبله الدراسي والمهني "[37] إذاً؛ العقل ينمو، ويتمثل هذا النموّ في المظهر المعرفيّ من العقل بالعمر العقليّ، " ولا شكّ أنّ العمر العقليّ ينمو كما يتمثل لنا ذلك من الوقائع المستمدّة من القياس العقليّ"[38]. والنموّ العقليّ المعرفيّ وفقاً لنظريّة "بياجيه" ( Piaget ) " يتميّز بخطين من النشاط العقليّ هما : العمليّات الحسّيّة في الطفولة المتأخّرة، والعمليّات المجرّدة الشكليّة في المراهقة والتي تتـّسم بدرجة كبيرة من المرونة والضبط في العمليّات العقليّة"[39] . ويُصبح بإمكان المراهق " استخدام الرموز للرموز وفهم الكنايات والأمثال"[40]. ويشير البعض إلى " أنّ كثيراً من عوامل التطوّر العقليّ ومكوّناته تكاد تكون قد اكتملت من قبل أن تبدأ مرحلة المراهقة "[41]، ويعتبر "سبيرمن" ( Sperman ) أنّه إلى جانب القدرات العقليّة الخاصّة، هناك طاقة عقليّة تتداخل في جميع الوظائف العقليّة، وهذه الطاقة العقليّة العامّة تصل إلى أقصى مداها في عمر يُراوح ما بين 15 و 16 سنة، وتصل لدى الأفراد الأذكياء إلى حوالي 19 سنة. ويرى " بياجيه " أنّ المراهق " ابتداءً من سن الخامسة عشرة تقريباً، يكتشف أنّه قادر على المزج بين الفرضيّات، ويحاول اكتشاف العلاقات المتبادلة بين وجهة نظره وبين وجهة نظر الآخرين "[42]. ويُلاحَظ في هذه المرحلة أنّ قدرة الانتباه والتركيز تزداد بعد أن كانت محدودة في الطفولة. ويميل المراهق إلى التفكير النقدي؛ أي أنه يطالب بالدليل على حقائق الأمور، ولا يقبلها قبولاً أعمى مسلماً به. وتكثر أحلام اليقظة حول المشكلات والتطلعات والحاجات، حيث يلجأ المراهق، لا شعورياً، إلى إشباعها، ويمكِّنه نموّه العقليّ من ذلك؛ حيث " يسمح له بالهروب بعيداً في عالم الخيال، فيرى نفسه لاعباً مشهوراً، أو بطلاً لا يُشقّ له غبار "[43]. وتجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة تقابلاً بين النموّ النزويّ والنموّ الذهنيّ لدى المراهق. على أنّ الكبت الناجح للنزوات يحوّل الطاقة الجنسيّة باتجاه موضوعات فكريّة تعتبر تسامياً بهذه الطاقة المكبوتة؛ في حين أنّ الكبت الفاشل قد يكون سبباً من أسباب ضمور الذكاء وتخلـّفه بسبب استنزاف الطاقة في صدّ النزوات الممنوعة وفي الكفاح ضدّ القلق الناجم عن المآزم النفسيّة.
3 - خصائص النمو الانفعالي/العاطفي: في هذه المرحلة تتعدّد مظاهر الانفعالات ، وتتـّصف " بالعنف والتهوّر وعدم التناسب مع المثيرات إضافة إلى عدم قدرة المراهق على التحكّم بها إجمالاً"[44] . وقد يلا حظ التناقض الانفعاليّ وثنائيّة المشاعر نحو الشخص نفسه أو الموقف ذاته. ويسعى المراهق نحو تحقيق الاستقلال الانفعاليّ أو الفطام النفسيّ عن الوالدين، على أننا قد نلاحظ أيضاً الخجل عنده والميل للانطواء والتمركز حول الذات نتيجة التغيّرات الجسميّة المفاجئة والعنيفة. كما يتـّسم المراهقون، خلال مرحلة البلوغ، " بسرعة الانفعال والتأثر. وتتـّصف ردود أفعالهم تجاه الأشياء عادة بالهياج العاطفيّ الحادّ "[45]. ويرى بعض التحليليّين أن فترة البلوغ هي إنعاش للمرحلة القضيبيّة وعقدة أوديب بالذات. حيث " تنتعش وتقوى كلّ إشكاليّات العلاقات المحرّمة مع أحد الوالدين من الجنس الآخر فتطارد المراهق صُوَر واعية عن علاقات حبيّة أوديبيّة تتكثـّـف في مرحلة بلوغ الأعضاء الجنسيّة "[46]. ويرى فرويد وجود تعقيد في نموّ الفتاة،" فنموّها لا يسير وفق خطّ مستقيم وإنما بطرق ملتوية وبتغيّرات في الاتجاه"[47]. ذلك أنّ الأمّ بالنسبة للصبيّ تبقى دائماً الموضوع الأساس للحبّ، منذ الولادة، مع تغيير أو تحويل في طبيعة هذا الحبّ في الفترة الأوديبيّة. في حين أنّ الفتاة تعيش في المرحلة الأوديبيّة تحوّلاً في الموضوع الأوّل للحبّ، وهو الأمّ، لتتجه نحو الأب، فيتحوّل الحبّ نحو الأمّ إلى كُرْهٍ ومزاحمةٍ ومنافسة. " وهذا التحوّل بالمشاعر نحو الأمّ يعود إلى تجربة هلعيّة تعيشها البنت: هي اكتشاف الفروقات بين الجنسين"[48]. وتشكّل المثاليّة الجانب الأخلاقيّ الذي يلعب دوراً في أزمة المراهقة، وبخاصّة في مرحلة المبالغة في تقدير الذات، وهي تجسّد التعبير الأخلاقيّ عن توترات المراهق ومعارضته للواقع، وتظهر هذه المثاليّة في حاجة المراهق " إلى الصّراحة واحترام الذات التي اكتشفها. من هنا فإنّ اتهام الآخرين له بالكذب يؤلمه، ويبدو الكذب عملاً جبانىً وخيانة تجاه الذات "[49]. ومن مظاهر النموّ الانفعاليّ لدى المراهق أيضاً حالة الخجل التي تظهر بأحد مظهرين: حالة الخجل – الانفعال (La Honte) التي تزول بزوال الموقف المثير للانفعال، وحالة الخجل – الشعور (La Timidite’) حيث يعاني الفرد من إحساس دائم بالارتباك والخوف من تقييم الآخرين له[50]. وتتميّز المراهقة " بازدياد النشاط الغريزيّ من جنس وعدوانيّة وازدياد الموانع الذاتيّة والخارجيّة العاملة على صدّها وكبح جماحها وبالتالي الشعور بالإحباط والميل لتصريف الفائض من هذه العدوانيّة إمّا عن طريق الذات وإمّا عن طريق الاعتداء على الآخرين "[51]. وبالإجمال يمكننا أن نسجّل على المراهق المظاهر الانفعاليّة الآتية: أ - الرهافة الانفعالية: حيث يتأثر بالمثيرات المختلفة؛ فيثور لأتفه الأسباب، ويشعر بالحزن الشديد إذا تعرض للإحباط من أبيه أو معلمه. لذلك؛ يجب " أن يُعامل المراهق على أساس أنّه رجل "[52]، فنُشعِرهُ بالمسؤوليّة، ونُعامله معاملة الكبار. ب - الحدّة الانفعالية: حيث تبرز استجابة حادّة لبعض المواقف لا تدلّ على اتزان ( كالصراخ بعنف وشتم الآخرين والاندفاع بتهوّر )؛ فإذا قاد السيارة قادها بسرعة شديدة لإظهار قوة و تحدي الآخرين. ج - الارتباك: حيث يخاف ويعجز عند مواجهة موقف معقد، ولا يمكن التصرف حياله( كالسخرية منه، أو المغالاة في مدحه.). د - الحساسية الشديدة للنقد: يشعر المراهق بالحساسية الشديدة لنقد الكبار له حتى وإن كان النقد صادقاً وبناءً، ومن أقرب الناس إليه، وخاصة عندما يكون على مسمع من الآخرين، بل ويعتبر النصيحة أو التوجيه انتقاماً وإهانة، وهذا مما يؤكد عدم نضجه في هذا الجانب. و " لا عجب من ملاحظة إبداء المراهقين حساسيّة مفرطة تجاه انتقادات الآخرين نتيجة عدم وثوقهم بهم واطمئنانهم إليهم"[53] . ه - التقلب الانفعالي: ينتقل المراهق من انفعال إلى آخر بسرعة، فتراه ينتقل من الفرح إلى الحزن، ومن التفاؤل إلى التشاؤم، ومن البكاء إلى الضحك، وتارة يندمج مع الآخرين، وتارة يعتزل مجالسهم، ومرة تجده متدينا جداً وأخرى مقصّراً. و - تطوّر مثيرات الخوف واستجاباته: حيث تتسع مخاوف المراهقين لتشمل المدرسة والجنس، و" مخاوف تتصل بالعلاقات الاجتماعية، ومخاوف عائلية تبدو في القلق على الأهل عندما يتشاجرون أو عندما يمرضون. وقد يحتفظ بعض المراهقين في بدء المراهقة ببعض مخاوف الطفولة كالخوف من الأشباح والثعابين ونحو ذلك..."[54] .
ز - سيطرة العواطف الشخصية (الجسم مركز اهتمامه): حيث تظهر في بداية المراهقة مظاهر الاعتزاز بالنفس، والعناية بالملبس والأناقة، والوقوف أمام المرآة كثيراً لجذب الانتباه. ويتصوّرالمراهق دائماً كيف سيكون ردّ فعل الآخرين تجاهه. على أنّ الحياة العاطفيّة عند الفتاة تتميّز بالرغبة في الإغراء وعرض المفاتن للاستحواذ على إعجاب الشريك وامتلاكه بشكل كامل، والاستئثار به ، والإخلاص له. أمّا الحبّ عند الفتى فيجعل منه جريئاً، مبادراً، قادراً على تأكيد ذاتهز " فالرجولة هي الهجوميّة والمبادرةأمّا الأنوثة فهي التراجع بهدف الجذب والإغراء "[55]. ح - الغضب والغيرة: تـُعَدّ الغيرة والغضب من الانفعالات الشائعة في فترة المراهقة؛ حيث تظهر في غيرة المراهق من زملائه الذين حققوا قدرة على جذب أفراد الجنس الآخر، أو ربما إخوانه الذين حققوا نجاحات في الدراسة، أو الرياضة، أو الأنشطة الأخرى. ويعبر المراهق عن غيرته في الغالب بالهجوم الكلاميّ بطريقة خافتة أو علنيّة، ويعبّر عن الغضب بالتبرّم والهجوم اليدويّ والكلاميّ، خاصّة عندما يّنتقــَدُ أو يُقــَدَّم له النّصح بكثرة، أو عند تعدي الآخرين على ما هو ملكٌ له، أو عندما يُنكـَرُ حقـّه في التعبير عن آرائه في الأسرة أو المدرسة. ط – الخوف : قد يعتري المراهقين الخوفُ نتيجة أهداف الحياة اليوميّة، أو نتيجة للأحلام، أو نتيجة مجريات أفكارهم ومسارات تخيّلاتهم: كالخوف من الحيوانات، والخوف من الحالات المؤلمة، والخوف من المخاطر، والخوف من الهزء والسخرية، والخوف من الفشل...[56]
4 – خصائص النموّ الاجتماعيّ : حياة المراهق الاجتماعية مليئة بالغموض، والصراعات، والتناقضات؛ لأنّه انتقل من عهد الطفولة إلى مجتمع الكبار، فهو لا يعرف قيمهم وعاداتهم واهتماماتهم، و ما الذي يعجبهم، وما الذي لا يعجبهم، ويعيش صراعاً بين آراء أقرانه وآراء أسرته، وبين الرغبة في الاستقلال عن الوالدين، وبين حاجته إلى مساعدتهما له، وبين الرغبة في إشباع الدافع الجنسي، وبين القيم الدينية والاجتماعية التي تحدّد الطريق المشروع لهذا الإشباع؛ فيعيش متناقضات تبدو في تفكيره وسلوكه، إذ يقول ولا يفعل، ويَألف وينفر في الوقت نفسه، ويخطط ولا ينفذ، ويريد الامتثال لقيم الجماعة، ويسعى في الوقت نفسه إلى تأكيد ذاته لذلك؛ فإنّه " من أهمّ الأسس التي يجب أن تـُراعَى في معاملة المراهق إرضاءُ غروره الاجتماعيّ "[57] . ويأخذ مفهوم الاجتماعيّة اتجاهين: الأوّل ( Socialite’ ) المستعمَل من قبل علماء النفس ، والذي يُشير إلى الميل الذي يدفع بالكائن البشريّ نحو الآخرين. والثاني ( Sociabilite’ ) أي القدرة والطاقة التي تسمح للفرد بالعيش مع الآخرين وفي إطار الفريق، وفي ذلك تعبير عن فهم للآخر، وإمكانيّة معرفة الغير والتعاطف ( Sympathie ) معه[58]. والجدير بالذكر " أنّ المراهقة هي أصعب على الذكور من الناحية الاجتماعيّة فيما هي أشدّ وطأة على الإناث من الناحية العاطفيّة. فالفتاة تنصاع أكثر من الفتى لقواعد التربية [...] أمّا الفتى فينصبّ اهتمامه على الصّراع مع ذاته ومع الآخرين من أجل إيجاد موقع له في الجسم الاجتماعيّ "[59]. على أنّ المعاناة التي يشعر بها المراهق على أثر بقائه مغموراً ، تحفـّزه على إبداء مزيد من الرغبة والنشاط من أجل الشعور بالانتماء إلى الجماعة. و المراهق " يسعى إلى اكتشاف ذاته واكتساب مكانة وهويّة حاصّة به في الحياة. وعادة يسعى المراهق إلى تشكيل هويّته الشخصيّة كما يحبّ ويرغب"[60]. ونشير إلى أنّ العلاقات الجيّدة مع الأهل في الطفولة " تجعل الولد منفتحاً على الأشخاص الآخرين واثقاً منهم لأنه بذلك يوسّع علاقاته الجيّدة الأوّليّة مع أهله. وبالعكس فإنّ العلاقات السلبيّة مع الأهل تجعله حذراً من الآخرين أو تجعله يفتش فيهم عن بدائل عن الأهل السيّئين المجتافين في داخله "[61]. ويمكن تحديد مظاهر النمو الاجتماعي للمراهق في ما يأتي: - الميل إلى الاستقلال والاعتماد على النفس: ويظهر ذلك في محاولات المراهق اختيارأصدقائه، ونوع ملابسه، ودراسته، وتحديد ميوله بنفسه. - الميل إلى الالتفاف حول ثلة معينة: حيث يندمج مع مجموعة من الأصدقاء صغيرة العدد. ويبدي الولاء والانتماء والتقيد بآرائهم، والتصرف وفق أهدافهم، ويصبحون جماعة مرجعية له، يحكم من خلالهم على أفعاله وأقواله؛ حيث يجد الراحة والمتعة والفهم لسلوكه من قبلهم، ويجد لديهم التقدير، وإظهار المهارات، وتأكيد الذات، واكتشاف القدرات، واكتساب المعلومات التي يعجز عن اكتسابها من الآباء والمعلمين بسبب ضعف العلاقة بين المراهق وأسرته في هذه المرحلة. وتتسع دائرة العلاقات الاجتماعية حيث يصبح أكثر اتصالاً مع الآخرين. - الميل إلى مقاومة السلطة الوالدية والمدرسية: ويظهر ذلك في رفض المراهق لأوامر الوالدين والمعلمين إذا اصطدمت بأوامر الثلة، وينتقد الوالدين، وأسلوب حياتهما، وطريقة تفكيرهما. ويعبّر المراهق الفتى عن تمرّده بالعداء، أو الخروج من المنزل، أما البنت المراهقة، فهي أكثر قبولاً للسلطة الو الدية. - المنافسة: يقارن المراهق نفسه بغيره في محاولة للحاق بالآخرين، أو التفوق عليهم. - الميل إلى الجنس الآخر والاهتمام به: حيث " يتحوّل المراهق من النفور من الجنس الآخر، إلى الميل إليه، والاهتمام به. ويظهر ذلك في محاولته جذب الانتباه إليه عن طريق أناقة المظهر الشخصي أو امتلاك أشياء مثيرة "[62]. الخاتمة لقد تناولنا في بحثنا مسألة البلوغ والمراهقة؛ تعريفاً ومفهوماً، وتوصيفاً للمراحل من خلال أبرز الخصائص والمظاهر. ولم نُغفِلْ عَرْضَ أهمّ ما قاله العلماء في هذه القضيّة الإنسانيّة التربويّة الاجتماعيّة القوميّة بامتياز؛ ذلك أنّ مراهقي اليوم هم راشدو الغد، عليهم نُعوّل في بناء المستقبل المنتظَر. ونخلص إلى القول إن إشباع حاجات المراهقين بالطرق التربوية السليمة أمر ضروري؛ إذ إنّ عَدمَ إشباعِها يجرّ إلى ازدياد متاعبهم ومشكلاتهم، وتكون مواجهة هذه الحاجات بالتوجيه والإرشاد وتقديم الخدمات المناسبة في البيت والمدرسة وكافة المؤسسات المعنية بذلك، سواء أكانت خدماتٍ إرشادية وقائية تهيئ الظروف المناسبة لتحقيق النمو السوي لهم، مبنية على العلاقات الاجتماعية الإيجابية،أمْ خدماتٍ إنمائيّة تنمّي قدراتِ المراهقين وطاقاتِهم، وتحقــِّـق أقصى درجات التوافق، أمْ خدماتٍ علاجيّة تتعامل مع المشكلات الانفعالية والتربوية ومشكلات التوافق التي تواجه بعض المراهقين، بتقديم الحلول العلاجيّة المناسبة وفق الأسس العلمية للتوجيه والإرشاد. إن تفهّم حاجات المراهقين ومطالب نموّهم يسهّـل التعامل معهم، ويخفف من متاعبهم، ويحلّ مشكلاتهم، ولذا؛ فإن من الواجب توفير الرعاية لهم في جميع المجالات: الصحيّة، والبدنيّة، والحركيّة، والعقليّة، والاجتماعية، والفيزيولوجية، والانفعالية، بشكل علميٍّ مدروس. وبذلك، فإنّ من حقّ المراهقين على التربويين، وعلى الأسرة، وعلى الجهات ذات العلاقة أنْ يقدموا لهم كلَّ ما من شأنه مساعدتهم على تجاوُز هذه المرحلة الحرجة بسلام، وبأقلّ قدْر ممكن من آثار المشكلات والتناقضات التي يمرّون بها وفي محاولة للإجابة على إشكاليّة بحثنا، نقول بأنّ فورة الغرائز المفاجئة في مسيرة الفرد، وهو يدخل المراهقة من بوّابتها البيولوجيّة، ترتدّ انعاكاساتها تأثيراً لا يرقى إلى أهمّيّته أيّ شكّ،في مظاهر النموّ العقليّ، والانفعاليّ، والاجتماعيّ. وعلينا نحن كتربويّين، وكأهل، أن نُمْسِك بأيدي أبناءَنا بعطفٍ ورحمة وتفهُّم، ونعبرَ بهم هذه المحطّة الحرجة من حياة كلٍّ منهم، ليصلوا إلى ضفّة الرُّشد سالمِينَ، ونُسلـِّمهم الرّاية. ونحن نختم بحثنا ، نشير إلى أن مسألة المراهقة هي من القضايا التي تستحقّ الدراسة الجدّيّة من مختلف جوانبها، والاتجاهات، والمظاهر، والمشكلات الناجمة عنها. ولأنّ بحثنا هذا خصّصناه في تناول البلوغ والمراهقة من حيث الخصائص الجسميّة والعقليّة والانفعاليّة والاجتماعيّة؛ فإننا نلفت النظر إلى أهمّيّة القيام بدراسة بحثيّة، أو أكثر، حول أبرز المشاكل أو الأمراض التي تؤثر، أو تظهر، في المراهقين، وتزيد من صعوبة حياتهم، مع تقصّي الأسباب الكامنة وراء ذلك.
لائحة المصادر والمراجع 1. ابن منظور، لسان العرب، ط1 (1997)، بيروت، دار صادر. 2. أنيس، ابراهيم وآخرون، المعجم الوسيط، ط2 (1972). 3. forum.brg8.com/t17000.html 4. الديدي، عبد الغني ، التحليل النفسيّ للمراهقة، ط1 (1995)،بيروت، دار الفكر اللبناني. 5. الطفيلي، امتثال زين الدين، علم نفس النموّ من الطفولة إلى الشيخوخة‘ ط1(2004)، بيروت ، دار المنهل اللبنانيّ. 6. سليم، مريم، علم نفس النموّ، ط1 (2002)، بيروت، دار النهضة العربيّة. 7. الشرفي، محمد رضا، دنيا المراهقات، ط1 (1998)، بيروت، دار النبلاء. 8. صالح، أحمد زكي، علم النفس التربويّ، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة.
فِهْرس المحتويات
[1] - ابن منظور، لسان العرب، ط1(1997)، بيروت، دار صادر، مج3،ص135. [2] - أنيس، ابراهيم وآخرون، المعجم الوسيط، ط2(1972)، ج1، ص378. [3] - forum.brg8.com/t17000.html [4] - الديدي، عبد الغني ، التحليل النفسيّ للمراهقة، ط1(1995)،بيروت، دار الفكر اللبنانيّ، ص7. [5] - الطفيلي، امتثال زين الدين، علم نفس النموّ من الطفولة إلى الشيخوخة‘ ط1(2004)، بيروت ، دار المنهل اللبنانيّ، ص125. [6] - سليم، مريم، علم نفس النموّ ، ط1(2002)، بيروت، دار النهضة العربيّة، ص375. [7] - الشرفي، محمد رضا، دنيا المراهقات، ط1 (1998)، بيروت، دار النبلاء، ص41. [8] - صالح، أحمد زكي، علم النفس التربويّ، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة، ص 213. [9] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص8. [10] - الطفيلي، امتثال زين الدين ، م.ن.، ص125. [11] - سليم، مريم، م.ن، ص375. [12] - الديدي، عبد الغني، م.ن. ، ص8. [13] - forum.brg8.com/t17000.html [14] - الشرفي، محمد رضا، م.س.، ص 18. [15] - سليم، مريم، م.س.، ص 375. [16] - الطفيلي، امتثال زين الدين، م.س.، ص 126 و 127. [17] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 18. [18] - الشرفي، محمد رضا، م.ن.، ص 19. [19] - سليم، مريم، م.ن.، ص 375. [20] - سليم، مريم، م.س.، ص 378. [21] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 21. [22] - الشرفي، محمد رضا، م.س.، ص 45 و46. [23] - forum.brg8.com/t17000.html [24] - الطفيلي، امتثال زين الدين، م.س.، ص 132. [25] - الديدي، عبد الغني، م.ن.، ص 22. [26] - سليم، مريم، م.س.، ص 444. [27] - الديدي، عبد الغني، م.ن.، ص 24. [28] - سليم،مريم، م.س.،ص395. [29] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 26. [30] - الشرفي، محمد رضا، م.س.، ص 97. [31] - الشرفي، محمد رضا، م.ن.،ص 91. [32] - forum.brg8.com/t17000.html [33] - الطفيلي، امتثال زين الدين، م.س.، ص 143 و 144. [34] - سليم، مريم، م.س.، ص399. [35] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 37 و 38. [36] - forum.brg8.com/t17000.html [37] - forum.brg8.com/t17000.html [38] - صالح، أحمد زكي، م.س.،ص 241. [39] - سليم، مريم، م.س.، ص 406. [40] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 65. [41] - الطفيلي، امتثال زين الدين، م.س.، ص 246. [42] - سليم، مريم، م.ن.، ص 409. [43] - forum.brg8.com/t17000.html [44] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 41. [45] - الشرفي، محمد رضا، م.س.، ص 142. [46] - الطفيلي، امتثال زين الدين، م.س.، ص 172 و 173. [47] - سليم، مريم، م.س.، ص 205. [48] - - سليم، مريم، م.ن.، ص 206. [49] - سليم، مريم، م.ن.، ص 419. [50] - سليم ، مريم، م.ن.، ص 422. [51] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 175. [52] - صالح، أحمد زكي، م.س.، ص 265. [53] - الشرفي، محمد رضا، م.س.، ص 141. [54] - forum.brg8.com/t17000.html [55] - الديدي، عبد الغني، م.س. ص 55. [56] - سليم، مريم، م.س.، ص 432. [57] - صالح، أحمد زكي، م.س.، ص 265. [58] - الطفيلي، امتثال زين الدين، م.س.، ص 256. [59] - الديدي، عبد الغني، م.س.، ص 79. [60] - الشرفي، محمد رضا، م.س.، ص 371 و 372. [61] - الديدي، عبد الغني، م.ن.، ص 83. [62] - forum.brg8.com/t17000.html |